التحرش بالطفل: بين الجهل والمبالغة تُنتهك الطفولة

عند ذكر كلمة «متحرش أطفال» يقفز في أذهاننا للوهلة الأولى صورة شخص بشع المظهر كما المجرمون في الأفلام بشكلهم المخيف، شخص خارج الأضواء ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الطفل، لكنه للأسف ليس كذلك؛ فأغلبية المتحرشين بالأطفال أشخاص عاديون، قريبون جدًا من الطفل ويعرفونه، وفي الغالب يكون هناك بينه وبين الطفل علاقة وارتياح من جانب الطفل وبعض الثقة من جانب الأهل! هذه حقائق من واقع جرائم التحرش بالأطفال التي تزداد يوميًا، فطبقًا لمنظمة «اليونيسيف Unicef» في جميع أنحاء العالم: شهدت حوالي 15 مليون فتاة مراهقة تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة للممارسات الجنسية بالإكراه، كما يتعرض الكثير من الأولاد للخطر، وتشير بيانات من 28 بلدًا إلى أن 9 من كل 10 مراهقات تعرضن للإكراه على ممارسة الجنس بالإبلاغ عن وقوعهن ضحية من قبل شخص قريب ومعروف لهن، واستنادًا إلى بيانات من 30 بلدًا، فإن 1% فقط من الفتيات المراهقات اللاتي تعرضن لممارسة الجنس بالإكراه قد توصلن للحصول على مساعدة مهنية. لذا من الضروري أن يعرف الطفل أنه يجب التعامل فقط مع الأب والأم بارتياح أكثر من تعامله مع أي شخص آخر، فكثير من الآباء يرددون: «لماذا تخجل من عمك؟» أو «اقعد على رجل طنط فهي مثل ماما»، وهنا يبدأ الخطأ الشائع المتسبب في اختلال المفاهيم لدى الطفل. ----------- وقاية الطفل، لا علاجه! 1. يجب أن يتعلم الطفل في صغر سنه أن جسمه ملكه هو وحده، وليس لأحد حق لمسه أو الاقتراب منه خارج نطاق الأبوين، فهناك ما يسمى حدود آمنة safe zone، وهي الدائرة فيما حوله، فليس لأي شخص كبير أو صغير أن يتخطاها إلا إذا سمح هو بذلك. كذلك عدم السماح لأحد أن يُقبّل أو يحتضن الطفل عنوة دون رغبته. حتى الأبوان أنفسهما ولو لمجرد الهزار واللعب ما دام يتضرر ولا يريد ذلك، كذا عدم المساومة على الحلوى أو شيء يريده الطفل مقابل حضن أو قبله «هات بوسة و(هدّيك) الشوكولاتة». هكذا يتعلم الطفل المساومة على الأشياء وانتزاع الأحضان والقبلات منه قصرًا، فكيف سيستطيع حماية نفسه ووضع حدوده الآمنة؟ 2. لا يبدل الطفل ملابسه أمام شخص آخر كبيرًا كان أو طفلًا مثله، فتعليم الخصوصية أمر فارق في توعية الطفل وتدريبه على صيانة نفسه، فلا يجب أن يرى أحد جسمه، وبالمثل لا يسمح لأحد الأبوين بتغيير ملابسهم أمام الأطفال. 3. لا يصلح أبدًا أن يحمم الطفل أي شخص حتى لو كان الجد أو الجدة، حتى لو طفلك رضيع يبلغ عامًا ونصف مثلًا، فلا يجب السماح لأي شخص غير الأبوين بتحميم الطفل، فذلك يعوّده على أن الوالدين فقط اللذين يمكنهما تعريته ولمس جسدة ورؤيته وقت الحموم فقط، ويُرفض فعل هذا من أي شخص آخر، الطفل نفسه سيشعر بعدم الارتياح لو حدث ذلك من أي شخص آخر، وهو المطلوب. 4. بعد عمر 6 سنوات يجب أن يتعود طفلك الاستحمام بمفرده وعدم رؤية أحد لجسمه حتى الأب والأم – إلا للضرورة القصوى – لذلك علم طفلك آداب الاستئذان واطرق بابه قبل دخولك لغرفته كي يتعلم أن يطرق باب غرفتك قبل الدخول، ومن ثم يتعلم الطفل الخصوصية المتمثلة في جسده وأنه غير مسموح لأحد بانتهاك خصوصية الآخر أو التواجد معه في الحمام أبدًا والاستئذان عند دخول غرفه نومه، ولا تعيب على طفلك عند خجله من شخص ما غريب أو قريب، فطبيعي جدًا أن يخجل من شخص ليس معتادًا عليه. 5. في غير وقت الحمام، لابد أن يعرف الطفل أنه مرفوض رفضًا تامًا لمس أو اللعب في أعضائه الحساسة أو تلامسها لأي سطح، وعند ملاحظة الطفل لفعل هذا التلامس، يجب إلهاؤه ومنعه من هذا بتشتيت انتباهه لأي شيء آخر وإشغاله به لمن هم دون الثلاث سنوات، دون لفت نظره لهذا الفعل، وبعد هذا العمر يجب شرح معلومات مبسطة عن المنطقة الحساسة، ويفضل تسميتها بمسماها، حتي يفهم الطفل لماذا لا يجب أن يراها أحد وألا نلمسها كي لا تتضرر،فقط أن يفهم سبب تجنب التلامس، حتي ينفذ دون إجبار، وأيضًا دون تخويف أو إظهار صورة مرعبة من الضرر، ليعلم أنه غير مسموح له هو نفسه أن يلمس هذه المنطقة من جسده، وبالتبعية لن يسمح لأحد فعل هذا، ولن يفعل هو الآخر ذلك لأحد. 6. قبل سن الذهاب إلى الحضانة، يجب التأكد أن طفلك تعلم ما يكفي لكي يعبر عن نفسه كما يجب تسمية أجزاء جسده لكي يستطيع وصف ما يحدث له وهو بعيد عن أنظاركم، وفي هذه السن يبدأ الطفل التمييز بين اللمسة الجيدة واللمسة السيئة، وتصبح بالفعل غير مريحة بالنسبة له، ويستطيع أن يتحدث ويصرخ أو يسرد ما حدث ويطلب المساعدة، لذا ينصح دائمًا بعدم الذهاب للحضانة إلا بعد إتمام 3 سنوات. 7. لابد أن يلعب الطفل مع أطفال من نفس شريحته العمرية (Age Group) والمتوافقين معه جسمانيًا وعضليًا، يمكن أيضًا أن يكون اللمس الجنسي بين الأطفال اعتداءً جنسيًا، عندما يكون هناك اختلاف كبير في السن (غالبًا ما يتم تعريفه على أنه فرق 3 سنوات أو أكثر) بين الأطفال أو إذا كان الأطفال مختلفين جدًا في النمو أو الحجم، ولا يجب أن نُضمن الاختراق أو القوة أو الألم أو اللمس فقط كإيذاء جنسي، فإذا شارك مثلًا شخص بالغ بعرض مواد إباحية أمام طفل، فهي ضمن الاعتداءات التي تُسمى الآن بمواد الإساءة الجنسية للأطفال (CSAM)، وأيضًا لا تسمحي لطفلك باللعب مع أقاربه الأطفال في غرفة مغلقه دون تواجدك معهم بحكم أنهم كالأخوات، حتى الإخوة أنفسهم لا تسمحي بأن يلعبوا معًا دون مراقبتك لهم، وأن يكن لعبهم دومًا أمام عينيك، ويجب تعويد الطفل أن غلق الأبواب فقط يسمح له في حال تغيير ملابسه فقط، وهو بمفرده في الغرفة. 8. زرع الثقة بالنفس في طفلك حتى يتمكن من الصراخ أو دفع من آذاه وقت محاولة تخطي شخص حدوده الآمنة أو يلمسه لمسة سيئة فور الحدوث، كما يجب توطيد العلاقة بينك وبين طفلك ومصاحبته وشعوره بالأمان تجاهك، وأنك الملجأ عند حدوث أي مشكلة له حتى يأتي ويحكي لك ما حدث له دون الخوف من ردود أفعالك، ويشعر بالاعتماد عليك، وأنك ستقفين بجانبه وليس ضده، فمن أهم أسباب انحدار الطفل في هذه العلاقات هو بُعد الأبوين وعدم علمهما إلا بعد فوات الآوان. 9. توعية الطفل (حسب عمره) ضد التحرش وكيفية الدفاع عن نفسه بتعليمه رياضة للدفاع عن النفس وزيادة مهاراته الجسمانية والفكرية، بإعطائه خلفية عما يجب عليه فعله عند الشعور بلمسه سيئة أو اقتراب أحد منه بطريقة غير مريحة له، كما يجب إعطاء أطفالنا بعض المعلومات بإيجاز عن التربية الجنسية للطفل (حسب عمره)، حتي يتعلم الحفاظ على نفسه والتمييز بين النوايا الحسنة والسيئة، فلا يصبح طفلًا ساذجًا ولا يكون منشغلًا كلية بهذا الموضوع، لذلك فإن التدرج في المعلومات هو الأفضل وإعطاؤها للطفل بشكل علمي وليس بشكل هزلي أو أنه شيء مخزٍ يدعو للحرج. 10. غالبًا ما يكون الاعتداء الجنسي على الأطفال عملية تدريجية وليس حدثًا واحدًا، من خلال تعلم علامات الإنذار المبكر وكيفية التدخل بشكل فعال والتحدث مع الطفل، فيمكنك إيقاف الاعتداء الجنسي قبل أن يبدأ ويتعرض للضرر، كما يجب أن يتحمل البالغون المسؤولية الأساسية عن منع الاعتداء الجنسي على الأطفال عن طريق معالجة أي سلوك متعلق به أو مشكوك فيه قد يشكل خطرًا على سلامة الطفل. كما ذكرت اليونيسيف أن الأصدقاء وزملاء الدراسة يعدون من بين أكثر مرتكبي الاعتداءات الجنسية التي يتعرض لها المراهقون الذكور في 5 بلدان، لذلك علينا الانتباه لأصدقاء الطفل ومعرفتهم جيدًا ومعرفة أسرتهم. ------------- الطفل المتحرش ليس مذنبًا دائمًا: – من أهم أسباب انزلاق الأطفال لمحاولة التحرش بأطفال في نفس عمره أو أصغر سنًا هو فضول التجربة (curiosity to try)، فهو غالبًا يريد تجربة ما يراه، لذا يجب: – الانتباه لإقامة العلاقة الحميمة للأبوين أمام الطفل منذ سن سنة وتعليم الطفل آداب الاستئذان عند الدخول على الأبوين. – أيضًا يجب الحرص على ما يشاهده الأبوان من أفلام ومسلسلات، فالطفل دومًا يجرب ما يشاهده، فغالبًا ما تبدأ بالقبلة أو الحضن، ومن ثم لما هو أبعد من ذلك، فلننتقي ما نشاهده في تواجد أبنائنا. – كما يجب ألا تترك لهم استخدام الأجهزة الإلكترونية وخاصةً المتصلة بالإنترنت دون رقابة مشددة ومتابعة ما يفعله تحديدًا في كل لحظه، كما تنصح منظمة الصحة العالمية لطب الأطفال بمنع استخدام الأطفال لأيٍ من الأجهزة الإلكترونية لمن هم دون السنتين وعدم تخصيص جهاز خاص بالطفل لمن هم أقل من 14 عامًا في تواجد الرقابة المشددة عليهم. فوفقًا لأحدث الأبحاث، في المتوسط، يحصل الطفل على أول هاتف ذكي له في عمر عشرة أعوام، وتوضح نفس الدراسة أنه في عمر 12 سنة، يوجد 50٪ من الأطفال لديهم حسابات وسائل التواصل الاجتماعي (Facebook وInstagram)، في حين أن بيل جيتس Bill Gates صرح في حوار مع مجلة Mirror بأنه لم يسمح لأطفاله بامتلاك أجهزة خاصة بهم إلا في عمر 14 عامًا فهذا أأمن عمر لإعطاء الطفل التليفونات الذكية. – أخيرًا بناء الوزع الديني للطفل منذ نعومه أظافره وتعلقه بصور محاسبة النفس على الصواب والخطأ ومحاسبتنا من قبل الخالق على أعمالنا. آخر ما أستطيع ذكره هو الدعاء لجميع أطفالنا في العالم العربي بالسلامة الصحية والجسدية والنفسية، حفظ الله أولادنا وبناتنا ورعاهم.

التحرش بالطفل: بين الجهل والمبالغة تُنتهك الطفولة

هل أنت مُعلم أو مدرب؟